طائر يغرد خارج السرب !

اذهب الى الأسفل

طائر يغرد خارج السرب !

مُساهمة  DEER في السبت 29 مارس 2008, 2:55 pm


طائر يغرد خارج السرب !


بقلم آمال عثمان :


في الوقت الذي تتسابق فيه أبواق وحناجر الغرب الأوروبي للهجوم علي الإسلام، ويتباري أصحاب الأقلام المسمومة برسم صورة قبيحة تثير الفزع والرعب، وتحض علي العداء والكراهية للمسلمين.. لاح أمامي من خلف السحب السوداء طائر طليق يغرد خارج السرب.. رجل قرر أن يسبح ضد التيار .. ويسير فوق حقول الألغام .. حمل قلمه وتزوذ بقراءاته وأبحاثه .. وذهب بعيدا في رحلة بحث، وتنقيب عن بقايا أمجاد وكنوز حضارة عظيمة بهرت العالم بإنجازاتها، وإبداعاتها الفكرية والعلمية والفنية.. وساهمت في وضع أسس النهضة، والتنوير للمجتمع الأوروبي الحديث.. رحلة للعثور علي أطلال تاريخ أصبح نسيا منسيا .. أسيء فهمه وأعيدت كتابته وتم تجاهله مع سبق الإصرار والترصد !
عدت منذ أيام من رحلة قصيرة خارج الحدود .. لأجد فوق مكتبي تاريخنا الضائع راقدا بين دفتي كتاب سطر حروفه، وكلماته رجل أمريكي أدرك بحسه الإنساني ان الضياع هو إحدي السمات المميزة للتجربة الإنسانية.. وأن تلاشي الذكري لحضارة كاملة هو بالفعل أمرا مأسويا وخطيرا .
إنها شهادة حق أراد الدبلوماسي الأمريكي 'مايكل هاميلتون مورجان' أن يسجلها في كتابه 'تاريخ ضائع' الذي يعرض سردا زمنيا للعصور الذهبية للتاريخ الإسلامي الذي زخر بالاختراعات والإبداعات، والأفكار العظيمة، وعزز قيم التسامح والتعايش ، وذلك بدءا من ميلاد النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) في مكة عام 570م وحتي نهاية الإمبراطورية العثمانية عام 1922م مرورا بالأحداث والمواقع، والاكتشافات والانجازات العلمية والفكرية والفنية التي صنعت حضارة الغرب، وإسهامات العلماء والمخترعين، والمفكرين الذين مهدوا الطريق أمام الحضارة الأوروبية ، وأن المسلمين وغير المسلمين يدينون بالامتنان العميق لهؤلاء الفرسان الذين عاشوا في الماضي البعيد.
ولم يكتف مايكل هاميلتون بإظهار إسهامات حضارة قديمة وثرية، وإنما ألقي الضوء علي ما توصل إليه الخليفة المأمون حين قال: 'إن العقل والدين أمران لا ينفصل أحدهما عن الآخر وأن إتاحة قدر من الحرية للفكر، وإطلاق العنان للإبداع الإنساني بوسعه إن يفعل المعجزات بما في ذلك إحلال السلام'، ويوضح كيف أن الوصايا التي خرجت بها تعاليم رسولنا الكريم عجلت بازدهار فكر الحضارة الإسلامية ، وألهبت شرارة البحث وراء العلم والمعرفة والاكتشافات مستندا الي عدد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تظهر فضل العلم ومكانة العلماء ، فيذكر أبي هريرة 'رضي الله عنه' قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: 'إن مداد العلماء في الميزان أثقل من دم الشهداء وأكثر ثوابا يوم القيامة'، وحديث آخر عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: 'من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا الي الجنة'، وأن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتي الحيتان في الماء ، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ، وان فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي سائر الكواكب .
كما يدلل مايكل هاميلتون في كتابه 'تاريخ ضائع' علي الرؤي والمفاهيم التقدمية التي ناضل البشر فيما بعد لتحقيقها في الألف عام التالية من خلال 'خطبة الوداع' التي تتناول المساواة العرقية، والمساواة بين الأجناس 'أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم من أدم وأدم من تراب ، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وليس لعربي علي أعجمي فضل ، إلا بالتقوي' وكذلك الجدل السياسي الثري حول قضايا القيادة والمشاورات السياسية التي أطلقتها قضية الخلافة برغم الشقاق الذي أحدثته في صلب الأمة الإسلامية.
ويكشف الكاتب عن أغنية الحضارات التي بدأت أول ما بدأت في الإسلام ثم انتشرت في أنحاء شتي من العالم لينتج عنها أدوات موسيقية جديدة ، ويزيح هاميلتون الستار عن أحد واضعي النظريات الموسيقية رفيعة المستوي وهو 'الفارابي' الفارسي الأصل الذي عاش في القرن التاسع وانتمي للبلاط في سوريا، وكتب خمس دراسات حول الموسيقي ، والارتباط المباشر بين الإيمان الصوفي والموسيقي ، ويدلل بما كتبه المؤرخ 'إتش جي فارمر' علي أن أحد أهم التحولات من المسلمين إلي الأوروبيين هو التدوين الموسيقي العربي الإسلامي ، والذي أشار الي انه بالرغم من أن مؤرخي الموسيقي الأوروبيين يعتبرون أن التدوين أو السلم الموسيقي 'دو ري مي فا صولا سي دو' بدأ أول القرن ال11 بايطاليا.. فان هناك أدلة دامغة علي أنهم كانوا يستخدمونه بالأسلوب العربي البسيط السابق من القرنين التاسع والعاشر 'مي فا صاد لا سين دال را'.
ويوضح المؤلف في مقدمة كتابه الصادر عن دار نهضة مصر أن الحضارة الإسلامية جزء من الحضارة الغربية بنفس القدر الذي تختلف فيه عنها، وأن الكثير من الصراعات التي تملأ الصحف الآن لها سوابق ومثيلات في مناظرات سابقة، وخلافات وقعت منذ ألف عام ، وأن معظم الأمريكيين بما فيهم الأمريكيون المسلمون وحتي عدد كبير من المسلمين حول العالم لا يعرفون سوي القشور عن التاريخ الإسلامي، وأنهم كانوا من العظماء في يوم من الأيام ثم سقطوا في مستنقعات التخلف، وأنه يأمل باستعادة هذا التاريخ المشترك الضائع، وأن يزيد شعور غير المسلمين بالاحترام ، ويزداد فهمهم لأولاد عمومتهم المسلمين بخلاف ما تقترحه الصحف اليوم ، وأن يعرف المسلمون كيف كان الإسلام في الماضي يطبق بما فيه مساندته للإبداع والابتكار والتسامح وتنوع الفكر والسلوك سواء علي مستوي الحياة الاجتماعية أو الفردية.
والمدهش حقا أن المؤلف نجح في أن يمزج في الكتاب بين السرد الأدبي والتاريخي، ويحلق بالقارئ في عدد من المدن والبلدان ويتنقل بين الأشخاص المعاصرين، والقدامي بسلاسة ويسر، ويربط بين التاريخ القديم والحديث عبرالأمكنة والأزمنة ، فمن مدينة تور الفرنسية ينقلنا الي مدينة مكة السعودية، ومن العاصمة العراقية بغداد الي بنجالور في الهند ، ومن وكالة ناسا الفضائية الي الأندلس ، ومن مدينة الدوحة الي قرطبة في أسبانيا ومن مدينة مشهد في إيران الي العاصمة الأمريكية واشنطن .. إنها حقا رحلة مشوقة وممتعة لم أشعر معها بلحظة ملل واحدة . بل تملكني شعور بالزهو والفخر وأنا أسابق الزمن وأنهل من سطور تاريخنا الضائع .
والحق إنني سعدت بالحفاوة والتقدير الذي استقبل به هذا الكتاب الموسوعي ومؤلفه،والاعتراف بقيمة ما قدمه للأدبيات التي كتبت عن التاريخ الفكري والثقافي للعالم الإسلامي ، وقيام الملك عبد الله الثاني بن الحسين عاهل الأردن بكتابة افتتاحية الكتاب بكلمات أكدت علي أهمية هذا الكتاب في ظل الظروف العصيبة التي نعيشها الآن ، والتي يسهل معها نسيان التراث الفكري والثقافي العظيم الذي صنعه الإسلام ، وما منحه المسلمون للعالم من قمم، وقيم عظيمة في فروع الفنون والعمارة والشعر والفلسفة والعلوم ، كلها كانت تتغذي علي تعاليم القرآن.
وقد استوقفتني كلمات الكاتب الأمريكي الذي جاء الي مصر بدعوة من 'دار نهضة مصر' للاحتفال بخروج الطبعة العربية من كتابه الذي ترجمته أميرة نبيه، حيث ذكر المؤلف انه ينوي تحويل الكتاب الي مسلسل تليفزيوني، وأن قناة 'الناشيونال جيوجرافيك' الأمريكية الجهة الناشرة للكتاب أبدت إهتمامها بانتاج المسلسل الي جانب آخرين لكن ليس بالحجم الذي تستحقه هذه الحقبة، لذلك فهو يبحث عن رعاة من الخارج .
إنني علي يقين بأن هناك الآلاف من الأثرياء في العالم العربي، والإسلامي يمكنهم المشاركة في هذا العمل العظيم الذي يظهر وجه الحضارة الاسلامية المشرق، ويساهم في التصدي لحملات التشويه والتطاول ،ويسد الهوه العميقة من سوء الفهم علي الجانبين ، بل ويدفع ملايين المسلمين الي اعادة قراءة حضارة الألف وأربعمائة سنة ، والتي تتجسد الآن في كيان يتكون من مليار نسمة.
إذا كان كتاب 'مايكل هاميلتون' شهادة حق من رجل أمريكي غير مسلم عن تاريخنا الضائع.. فإنني أتمني أن يكون هذا التاريخ المجيد دافعا لأن يتذكر المسلمون في عصرنا الحالي أمجاد الآباء والأجداد وعظمة الإسلام، وأن يحاولوا إستعادة مكانتهم ومجدهم السليب، وينتصروا للعقل والفكر الحر والإبداع، ولا يستسلموا للانغلاق، والتطرف الفكري والعقائدي الذي شوه صورة المسلمين وأساء لحضارة عظيمة شيدتها أمة الإسلام حتي لا نظل عالة علي الغرب.. وهذا لا يرضاه لنا الإسلام ولا رسوله الكريم.


***


أصبحت ظاهرة سرقة الأفلام السينمائية الجديدة، وبثها عبر شبكة الإنترنت تثير الضيق والغضب.. ليس هذا فحسب بل يتباهي لصوص هذه الأفلام بأنهم يعرضون منها نسخا جيدة.. وتتنافس المواقع المختلفة علي عرض أحدث الأفلام.. حدث هذا مع فيلم 'الجزيرة' لأحمد السقا وهند صبري دون حسيب أو رقيب، لذلك أطالب غرفة صناعة السينما برئاسة منيب شافعي بالتعاون مع الرقابة علي المصنفات الفنية برئاسة علي أبوشادي لمواجهة هؤلاء اللصوص ووضع حد لسرقة الأفلام السينمائية تحت سمع وبصر الجميع جهارا نهارا!


***


سكت دهرا ونطق شعرا.. هذا هو حال الزميل 'أسامة صفار' الذي جاءني يسعي بما كتبت يداه.. حاملا حلمه الوردي بين كفيه ليهديني إياه..
جاءني سعيدا بديوانه الشعري الأول 'مشهد ليلي'.. شاركته فرحته بثمرة أفكاره مثل كل أم تفرح لصغيرها، حينما يأتيها عائدا من مدرسته وبين أصابعه شهادة نجاحه.. كانت فرحتي بهذا الفتي الواعد الذي أراه بعين الناقد مشروع شاعر يرتدي ثوب الفارس الصحفي ويشهر قلمه في ميدان الأدب بعد أن ثبت أقدامه في بلاط صاحبة الجلالة.


_________________
دقات قلب المرء تنبئه ان الحياة دقائق وثواني
avatar
DEER
نائب رئيس التحرير
نائب رئيس التحرير

انثى
عدد الرسائل : 155
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 16/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى